جي آر ويلستد

52

رحلات في الجزيرة العربية

من الظواهر العامة في المناطق الرملية . لكن ما سبب كثافة الندى ؟ وما سبب برودة الليل في الصحراء ؟ كان أثر قطرات الندى كثيفا مما ترك الانطباع بهطول مطر خفيف على الأرض . ومهما كانت حرارة النهار شديدة وقاسية فإن برودة الجو ، بل حتى الليالي الباردة تلي ذلك . الجمعة ، الحادي عشر من ديسمبر / كانون الأول : استيقظت هذا الصباح في وقت مبكر وتسلقت قمة أحد التلال الرملية العالية كي أظفر برؤية المناطق المحيطة ، لكني لم أشاهد على مد البصر وفي الأفق الكئيب والموحش سوى الهضاب الرملية المتموجة القادمة من الصحراء كأنها موجات بحر حتى تصطدم بالحاجز الذي أقف عليه . وعند الاستفسار ، لم أتمكن من معرفة أن الصحراء تتقدم واضطرتني ملاحظتي إلى الاعتقاد بعكس ، ذلك لأنني بعد أن عاينت المكان جيدا وجدت أن التلال التي كانت تشكل عائقا لتقدمها ، إنما كانت مغطاة بالأراك ونباتات صحراوية أخرى تغور جذورها في التربة وتتشابك محدثة أثرا كذلك الذي تحدثه ( عشبة النجيله ) في إنكلترا . وتقف شجيرة « 1 » واحدة من هذه الأشجار حجر عثرة أمام تقدم الرمال وتحيلها إلى هضبة . وهنا تنمو بقية الشجيرات فوقها وتستمر على هذا النحو بتلقي طبقات الرمل المنفصلة والنباتات المتزايدة بالتعاقب . ولولا هذا لكان طوفان من الرمال قد غمر البلاد منذ زمن بعيد حتى قدمات الجبال المواجهة للبحر . ولما لم يكن هناك سوى القليل من الماء وراء هذا الحاجز ، إذ يبعد البئر الواحد عن الثاني مسيرة أيام ، فإن البدوي قلما يتجرأ على اجتيازه ، لأن التلال ، كما يقال ، تغيّر من ملامحها ، بل حتى تغير من مواقعها مع كل نسمة قوية تهب ونتيجة لذلك تفقد علاماتها وتحدث حوادث مؤسفة جدا في غالب الأحوال . ففي الليلة الماضية أخبرني ( حمد ) بأنه واجه - عندما كان شابا - مع والده وحوالي عشرين من أفراد قبيلته في هذا المكان بالذات مجموعة من الوهابيين استطاعوا أن يلحقوا الهزيمة بهم ويرغموهم على الهرب مع زوجاتهم اللواتي كن في رفقتهم . وعبرت العديد من قبائلهم الصحراء للذهاب إلى بعض الآبار تبعد مسيرة ثلاثة

--> ( 1 ) هذه الشجيرة يطلق عليها أسم Cissus Arborea الأراك وتستخدم أصغر أغصانها في جزيرة العرب بمثابة فرشاة أسنان وتحظى بمكانة رفيعة عند قدامي العرب والمصريين حتى أن الشعراء هناك يحتفون بها .